العودة للمقالات
أساسيات
يناير ٢٠٢٦

الـكماليــة

وهم الاتقان..؟

الـكماليــة
يلا بينا نقرأ

دى حاجة كتير من الناس بتقع فيها من غير ما تاخد بالها، نقدر نسميها السعي ورا وهم الإتقان. الوهم ده غالبًا بيطلع من سببين: يا إما الشخص مش فاهم منظومة الحياة أصلًا، يا إما فاهمها بس غافل عنها، يعني عارف إن الحياة تجربة وتطور، لكن انتباهه مش موجه للحقيقة دي وهو بيشتغل أو بيعيش.

علميًا، مفيش مرض نفسي اسمه Perfectionism بالشكل اللي الناس متخيلاه، لكنه في الواقع مجموعة سلوكيات ممكن توصل لأمراض نفسية معروفة فعلًا. لما تفضل تضغط على نفسك إن كل حاجة لازم تبقى صح مية في المية، بتبدأ تكره اللي بتعمله، ولو الحاجة دي مهمة في حياتك، ممكن توصل إنك تكره حياتك نفسها. الحزن المستمر، الإحباط، والاكتئاب ساعات كتير بيبقوا نتيجة الضغط ده، مش نتيجة الفشل.

لو بصينا لمنظومة الحياة نفسها، هنلاقي إن الخطأ مش عيب ولا خلل، ده عنصر أساسي. الحياة قائمة على التضاد: صح وخطأ، كبير وصغير، قوة وضعف، ذكر وأنثى، سماء وأرض. من غير التضاد مفيش فهم، ومن غير الخطأ مفيش تعلّم. أقوى طريقة يتعلم بيها الإنسان هي المحاولة والخطأ، وده مثبت في علم النفس السلوكي، وعلم الأعصاب، وعلم التعلّم. الطفل مثلًا ما بيتعلمش يمشي من غير ما يقع، ولو وقع مرة وقرر ما يقومش غير لما يمشي مظبوط، عمره ما هيمشي.

التطور ببساطة هو: تجربة، بعدها خطأ، وبعدها تغذية راجعة. التغذية الراجعة هي المعلومة اللي بترجعلك من اللي حصل، وبتقولك الخطوة الجاية إيه. يعني جرّبت، ما ظبطتش، فهمت ليه، وعدّلت. ده مش فشل، ده تقدّم.

المشكلة إن الـ Perfectionism بيخليك عايز تبقى صح مية في المية من أول مرة. فتيجي تعمل الحاجة، تقول: لأ، خلّيني أستنى لما أبقى رايق أكتر، أو لما الظروف تبقى مثالية، أو لما أجهّز نفسي أكتر. وهنا تدخل في التسويف. تسويف ورا تسويف، والوقت يضيع، وأنت لسه واقف مكانك.

وبما إن طبيعة الحياة هي التطور، وإنت موجود علشان تتطور، فالطبيعي إنك تعمل الحاجة بناءً على قدراتك الحالية. والطبيعي بعد فترة تبص عليها وتقول: ده محتاج يتحسّن، لأنك أنت نفسك اتحسّنت. وده مش تناقض، ده تقدم. الفكرة الصح إنك تبقى مقتنع إن اللي بتعمله دلوقتي مش أفضل حاجة ممكنة عمومًا، لكنه أفضل حاجة تقدر تعملها حاليًا، وهيحتاج تطوير بعدين.

ومن هنا بتيجي قيمة التخطيط والتنظيم، مش علشان تسيطر على كل حاجة، لكن علشان تركّز على نفسك وتبقى واعي بمراحل تطورك. تخطيطك مش معناه إنك تمنع الخطأ، لكن إنك تستوعبه، وتستفيد منه، وتكمّل الطريق من غير ما تقف مستني الكمال اللي عمره ما هييجي.