العودة للمقالات
أساسيات
يناير ٢٠٢٦

الثقــة

confidence

الثقــة
يلا بينا نقرأ

بعد ما اتكلمنا عن الاستقلالية واحترام العقل، طبيعي نكمّل بسؤال بيطلع بعدها مباشرة:

العلاقة بين الاستقلالية والثقة؟

هنا لازم نفهم حاجة مهمة جدًا: الثقة مش إحساس ثابت. الثقة حالة ذهنية بتتبني، وبتزيد وتقل حسب اللي إنت بتعمله مع نفسك طول الوقت. ممكن تبقى واثق جدًا في مجال عندك فيه علم وتجربة، ومش متأكد ولا في مجال تاني معلوماتك عنه قليلة.

أكبر سوء فهم عن الثقة إنها مرتبطة بالصوت العالي أو الجرأة الظاهرة. وده مؤشر للضعف ، في حين إن في ناس هادية جدًا، وثقتها أعلى بكتير من ناس بتتكلم طول الوقت. الفرق إن الناس الهادية دي غالبًا شايفة الصورة من فوق، وعارفة إمتى تتكلم وإمتى تسكت، فاختارت التوقيت مش الاستعراض.

الثقة الحقيقية مش إنك تبقى متأكد إنك صح طول الوقت، لكنها إنك تبقى قادر تتعامل مع احتمال إنك تغلط من غير ما تتهز أو تنهار. وده يربطنا مباشرة بالاستقلالية: الشخص المستقل مش اللي عمره ما يغلط، لكن اللي غلطه ما يكسّرش هويته؛ لأن فيه منظومة عقلية متزنة.

من ناحية نفسية وعلمية بسيطة، الثقة مرتبطة بمفهوم اسمه Self-efficacy، يعني إحساسك إنك قادر تتصرف، مش إنك ضامن النتيجة. الفرق ده مهم جدًا. لأنك طول ما مستني الضمان، عمرك ما هتتحرك. إنما لما تحس إنك قادر تتعامل، حتى لو النتيجة مش مثالية، الثقة تبدأ تتكوّن.

كل مرة بتدخل موقف وبتتعامل معاه، حتى لو النتيجة مش اللي كنت عايزها، المخ بيسجّل التجربة دي. التجربة بتقول له: إحنا قدرنا نتحرك وعدّينا. ومع تكرار التجربة، الإحساس بالقدرة يزيد تدريجيًا، ومن غير ما تحس.

علشان كده الثقة مش بتيجي من التفكير لوحده، لكنها بتيجي من الفعل. حتى الفعل البسيط. التفكير من غير تجربة بيعمل العكس تمامًا، لأنه ضد منظومة الحياة اللي قايمة على التجربة والتعلّم. كثرة التفكير من غير حركة بتغذي الشك، مش الثقة.

وده يوضح نقطة مهمة: الثقة مش معناها إنك تبقى مطمّن طول الوقت. طبيعي تقلق، تتردد، وتشك في نفسك أحياناً وانت بتتطور. الفرق إنك ما بتثبتش مكانك. بتشتغل على الحاجة اللي مسببة القلق ده بحماس الثقة بدل ما تهرب منها.

من ناحية علم الأعصاب، المخ مبيتعلمش الثقة بالكلام ولا بالشعارات ولا بجُمل التنمية البشرية الفارغة. المخ بيتعلمها بالتجربة المتكررة. يعني ببساطة، المخ ما يصدقش اللي بتقوله، يصدق اللي تعمله. كل مرة تدخل موقف وإنت قلقان، وتتعامل معاه، حتى لو مش بأحسن شكل، المخ بيسجّل إنك عدّيت. ومع التكرار، بيتكوّن مسار عصبي جديد، والإحساس بالقدرة يزيد.

علشان كده تكرار الجُمل الإيجابية لوحده ما بيبنيش ثقة حقيقية. التجربة، حتى مع القلق، هي اللي بتعمل الفرق.

وهنا لازم نربط الكلام ده بالتخطيط، عشان ميحصلش سوء فهم. الثقة مش معناها إنك تتحرك بعين مغمضة، ولا إنك “تجرب وخلاص”. في الإدارة فيه مفهوم أساسي اسمه إدارة المخاطر، وده معناه إن أي فعل ناوي تعمله لازم تبقى واعي بمكاسبه ومخاطره في نفس الوقت. التخطيط هنا دوره الحقيقي إنه يحسب السيناريوهات ويحميك من الأذى، مش إنه يمنعك من الحركة.

الخلاصة إن الثقة الحقيقية مش حالة مزاجية مؤقتة، ولا قناع Fake بشوية كلام حماسي وموسيقى. الثقة نتيجة طبيعية لمسار واضح: إنك تتحرك، تغلط، تتعلّم، وتكمّل. وكل مرة بتكمّل، حتى وإنت مش مطمّن، إنت كده بتكسر الخوف وبتعزّز ثقتك بنفسك.

والشخص المستقل فعلًا هو اللي واثق في قدرته على التعامل، مش اللي محتاج يستخبى ورا رأي حد أو جماعة علشان يحس بالأمان.